كرة القدم و التكنولوجيا

كرة القدم رائعة. كل ما فيها رائع، أهدافها، بطولاتها، أفراحها، أحزانها، وحتى أخطاءها٠

ربما أجمل ما فيها انها غير مثالية و أنها لعبة يتحكم بها اﻹنسان فقط، دون أي عودة تذكر للتكنولوجيا و اﻵلات و التقنيات الحديثة إلا في الحالات النادرة. ولكن على الرغم من روعتها إلا أن اﻷخطاء البشرية فيها كثيرة وفاضحة في بعض اﻷحيان تكلف بعض الفرق بطولات وأمجاد عديدة، وتصنع في أحيان أخرى أمجاد باطلة لبعض الفرق٠

لذلك بدأنا نرى منذ فترة مطالبات بإدخال التكنولوجيا إلى الرياضة اﻷشهر عالميا وعلى مستويات عدة، ولكن يبقى السؤال: إلى أي مدى يمكن تطبيق اﻷفكار المطروحة، على رياضة تمتد المباراة الواحدة منها على مدى تسعين دقيقة على اﻷقل، رياضة مكونة من ٢٢ لاعب بأدوار مختلفة تماما٠

رأينا منذ فترة إعتماد اغلب اﻹتحادات الكروية على تكنولوجيا (تقنية خط المرمى) والتي تستطيع التأكيد دون أي شك إن كانت الكرة قد تخطت خط المرمى كي تحتسب هدفا أو لا، الأمر الذي يعتبر عظيم ورائع بنظر الجماهير واللاعبين والذي يرسي بعضا من العدالة، بعدما رأينا حالات جدل كثيرة حول كرات لم نستطع حتى اﻵن الجزم إن كانت هدفا أم لا. فهذه التكنولوجيا تعتبر عظيمة وضرورية في كرة القدم وإدخالها إلى الملاعب يعتبر عمل عظيم وعادل٠

ولكن ماذا عن المطالبات بإدخال تقنية كاميرات المراقبة مع حكام خارجيين للجزم بلقطات التسلل أم اﻷخطاء؟ نعم، فالمشاهد خلف الشاشة يقول دائما في حالات أخطاء الحكام: لو كان للحكم أن يرى عبر الشاشة ما حصل فعلا لما كان أخطأ. ولكن هل فكرتم يوما كم من مرة يضطر المخرج لإعادة لقطة ما حتى نستطيع إتخاد القرار النهائي بشأن هدف أو خطأ ما؟ ماذا سيحصل حينها؟ هل سيتم اعتماد قانون كرة السلة بإيقاف الوقت في هكذا حالات فتمتد حينها كل مباراة على مدى ساعتين او أكثر؟ أو تتم إضافة الوقت كوقت بدل ضائع ليطول أيضا وقت المباراة؟ أوليس الأجدر اعتماد حكام محترفين وتكثيف الدورات التحكيمية وغربلة الحكام؟ ومن قال أن التكنولوجيا لا تخطئ؟ كم من مرة اختلف حكمنا كمشاهدين على لقطة ما بحسب زاوية التصوير؟

ثم بعيدا عن التكنولوجيا هناك كلام عن اعتماد قانون يشابه قانون كرة اليد في حالة الخطأ وهو إبعاد اللاعب مرتكب الخطأ عن الملعب لدقائق (دقيقتين أو خمس أو…). أتتخيلون فريقا يلعب بدون حارس مرماه، او مدافعه، او صانع ألعابه، لخمس دقائق؟

طبعا يطرد لاعبون في حالات البطاقات الحمراء ولكن حينها يقوم المدرب بإجراء تبديل سريع وتكتيكي فإذا ما طرد حارس مرماه يقوم بتبديل لاعب مهاجم مثلا بالحارس وهو أمر طبيعي ولكن ان يلعب لدقائق دون حارس مرمى؟ فهو أمر غير منطقي أبدا٠

كما كان هناك كلام منذ فترة عن إمكانية إضافة تبديل لكل فريق في حال الإنتقال إلى اﻷشواط اﻹضافية، وهو أمر منطقي وجيد جدا، فإذا كان لكل فريق الحق بثلاث تبديلات في تسعين دقيقة فاﻹنتقال إلى ثلاثين دقيقة إضافية يتطلب تبديل إضافي٠

نحن لسنا ضد اعتماد التكنولوجيا وإدخال الإصلاحات إلى كرة القدم، بالعكس نحن نطالب بإيجاد حلول لكل اﻷخطاء والمشاكل التي تحدث، لكننا نطالب بحلول منطقية، ممكنة التطبيق، ولا تقضي على روعة اللعبة ومتعتها ولا ترهق اللاعبين وتفقدهم حماسهم. حلول تحسن من اوضاع كرة القدم ولا تقضي عليها٠

technology in footbal

Advertisements

وسائل التواصل و تدمير الفكر الكروي

لا يخفى على أحد أن التطور الذي شهدته وسائل اﻹعلام و وسائل التواصل الإجتماعي في السنوات اﻷخيرة قد ساهم في تسهيل متابعة مباريات و أخبار كرة القدم للعديد من محبي هذه اللعبة، و قرّب الجمهور من اللاعبين و اﻷندية وخلق فرصاً للتواصل بينهم٠

لكن وفي الوقت عينه فقد ساهم هذا التطور بخلق شريحة واسعة من المشجعين الذين فرضوا أنفسهم كجمهور لكرة القدم وهم لا يفقهون من اللعبة وقوانينها شيئاً. شريحة تظن أنها بمتابعة أخبار وصور اللاعبين على وسائل التواصل اﻹجتماعي كاﻹنستغرام والفايسبوك وتويتر تثبت عشقها للفريق واللاعبين. مشجعون يقضون أوقاتهم خلال المباريات بنشر اﻷخبار والصور والتعليقات بدل متابعة الفريق وتقييم اﻷداء واستخلاص نقاط القوة والضعف أو أقله اﻹستمتاع بالمباراة٠

SOCCER

دلائل كثيرة من الحياة اليومية تؤكد هذه النقطة، فمجرد جولة سريعة في أي منتدى أو (جروب) لكرة القدم على الفايسبوك، مثلاً، يظهر مدى إنشغال الجمهور بأخبار الحياة الخاصة للاعبين وصور عائلاتهم و أخبارها وكيف قضوا عطلتهم و أين، على حساب اﻹهتمام بالنتائج واﻷداء. وأصبح اﻹحتفال بتفوق أحد اللاعبين على منافسه بعدد المعجبين بصفحته على اﻹنترنت يعادل اﻹحتفال بالتفوق عليه باﻷهداف واﻹنجازات. واﻹهتمام ببدلة لاعب وملابس صديقته في احتفال ما يفوق اﻹهتمام بأدائه على أرضية الملعب، وتكثر اﻷمثلة وتطول٠

و اﻷسوأ من ذلك كله، أنه أصبح لهؤلاء المشجعين رأي مهم في اختيار افضل اللاعبين والمدربين واﻷهداف بفضل الإحصائيات التي تقوم بها مختلف الصحف والإتحادات على صفحاتها اﻹلكترونية، مما أدى إلى تشويه العديد من الحقائق الكروية في بعض اﻷحيان، اﻷمر الذي دفع بالعديد من المشجعين الملمّين بكرة القدم و خططها – هؤلاء الذين قضوا عمرهم يشاهدون أي مباراة كرة قدم لفريقهم أو لغيره من خلف الشاشات الصغيرة وبنوا فكرهم الكروي بعيدا عن تحاليل قرأوها على الصفحات الإلكترونية – إلى اﻹبتعاد عن أجواء الكرة عامة ودخول النقاشات واﻹكتفاء فقط بالمشاهدة، اﻷمر الذي فتح مجالات أوسع للمشجعين السطحيين للكلام والتعبير٠

ما يحصل مرفوض تماماً. نعم، من الجميل جدا أن تزداد شريحة المهتمين بكرة القدم، لكن من المرفوض أن يفوق عدد قرّاء مقالة عن أسعار ملابس اللاعبين في حفل الكرة الذهبية عدد قرّاء مقالة عن أداء هؤلاء اللاعبين في أهم مباريات الموسم، أو أن يزيد عدد المهتمين بصديقة كريستيانو رونالدو السابقة أو القادمة، أو أطفال بيكيه، أو منزل ميسي، أو أين قضى نيمار عطلته، على عدد المهتمين بأداء هؤلاء اللاعبين يوم كان أداؤهم جيدا أو سيئاً٠

إذا، لا بد من تصويب اﻷمور. ربما تبدو الحلول صعبة أو مستحيلة أمام هكذا واقع، ولكن برأيي، و كبداية للحل، على المشجعين القدامى، هؤلاء الذين عشقوا كرة القدم كرياضة ومتعة وأكثر، قبل أن يعشقوا لاعبا أو تصفيفة شعره وصديقته أو ولده، و خاصة المشجعين الصحافيين، أن يعملوا على نشر وعي كروي بين جيل فقد اﻹهتمام بجوهر كرة القدم واهتم بالقشور٠

worldcup-social-100339584-orig